الاثنين، 4 يناير 2016

القيادة في الإسلام

القيادة في الإسلام

امامة
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ‏َ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين)1.

الرشد في المصطلح الإسلامي

قبل الدخول في بحث القيادة في الإسلام من المناسب أن نتعرّض لمفهوم الرشد ومن ثمّ لمفهوم الإمامة.

1- الرشد

لقد استعمل القرآن الكريم اصطلاح الرشد في حقّ الأطفال الذين يمتلكون ثروة ولكن لا قيّم لهم، فذكر أنّه لا بدّ من جعل قيّم ووليّ عليهم حتى يبلغوا الرشد بعد تجاوزهم سنّ‏َ البلوغ، فقال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ انَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)2.
تعريف الرشد
"الرشد عبارة عن نوع من الكمال الروحي والمعنوي، بمعنى أن يكون للإنسان قدرة على الإدارة والمحافظة على طاقاته المادية والمعنوية، وحسن الاستفادة منها"، وهذا التعريف يشمل جميع أنواع الرشد الأخلاقي منه والاجتماعي، ولتوضيح هذه الفكرة نذكر المثاليين التاليين:
أ- إدارة الذاكرة، لقد أودع الله تعالى في الإنسان قوىً إدراكية، من فهم وإدراك وحفظ وذاكرة، والإنسان الرشيد هو الذي يمكنه الاستفادة الصحيحة منها، فينظر في الأمور أيّها مفيد بل وأيها أكثر فائدة، ثمّ يتخيّر الترتيب العلمي الصحيح لحفظها ووضعها في الذهن، ومن ثمّ يحافظ عليها، أما غير الرشيد فهو من يتعامل مع ذاكرته مثلا كمستودع لكل ما يقع في طريقه، فلا ينتفع من هذه العطايا الإلهية بشكل صحيح، فمن يقرأ كتاباً ما لا يمكنه أن يحتفظ بمحتويات هذا الكتاب من قراءةٍ واحدةٍ، بل عليه أن يقرأه مرّة ثانيةً على التوالي، ثم يفكّر في كلّ فكرةٍ وردت فيه، ويحلّلها ويحقّقها، وبعد الانتهاء عليه أن يلخّصها ويودعها ذاكرته، ثمّ يقرأ كتاباً اخر من نفس الموضوع حتى لا يمتلىَ ذهنُه بمواضيعَ متعددة بصورةٍ غير منظمة، فتختلط عليه الأفكار.
ب- الرشد في العبادة: إن العبادة الصحيحة هي التي تجذب الروح وتغذّيها، وليست الكثرة هي المقياس للعبادة، تماماً ككثرة الطعام ليس هو مقياس غذاء الجسم، وإنّما المقياس هو تلاۆم الروح مع العبادة، وتحقّقها عن رغبةٍ وشوقٍ، وأي إكثارٍ في العبادة من دون شوقٍ قد يۆدي إلى ردّات فعلٍ عكسيّة لا تُحمد عُقباها، وهكذا يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي عليه السلام: "يا علي، إنّ هذا الدينَ متين، فأوغل فيه برفقٍ، ولا تُبغِّض إلى نفسك عبادة ربّك"3، فلا بدّ من ممارسة العبادة بشكلٍ تميل معها النفس تدريجاً إلى العبادة، لا أن تتنّفر من العبادة، "فإنّ المُنبِت4 لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع"5.
فالممارسة الصحيحة للعبادة والاستفادة منها لها علاقة وثيقة بحسن إدارة الإنسان لنفسه، لأن القلب والمشاعر والأحاسيس وكل القوى الإدراكية بحاجة إلى إدارةٍ وقيادةٍ رشيدة وحكيمة.

2- الإمامة والقيادة

عندما يكون موضوع الرشد هو قيادة وإدارة الآخرين يطلق عليه (الهداية) أو (الإمامة)، ولعلّ أفضل لفظٍ يعبّر عن الإمامة هو القيادة، مع فارقٍ بين النبوّة والإمامة أيضاً، حيث إنّ النبوة هي إراءة وكشف الطريق، بينما تتعدى الإمامة ذلك لتتحمّل مسۆولية القيادة للأمّة، فيقوم بعض الأفراد بمهمّة تعبئة القوى الإنسانية وتنظيمها وتدفعها إلى العمل، وكثير من الأنبياء لاسيما العظام منهم جمعوا بين الميزتين، أي بين النبوة (كشف الطريق) والإمامة (القيادة).

إبراهيم عليه السلام القائد الإمام

لقد ابتلى اللهُ النبيّ‏َ إبراهيم عليه السلام بكثيرٍ من المصاعب والإمتحانات، فقد واجه بمفرده تلك الإنحرافات العقائدية والخرافات السائدة آنذاك، فحطّم الأصنام وواجه نمرودَ وأتباعَه قاطبةً، وفي خِضَمّ هذه المِحن القاسية يطلب منه الله سبحانه أن يذبحَ ابنه إسماعيل عليه السلام بيده، وعندما أسلما وانقادا لأمر الله سبحانه وتجاوز كلّ هذه المحن بنجاحٍ وإيمانٍ ثابت، عندها أُعطي مقام الإمامة،(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ‏َ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)6، فهذه الإمامة وقيادة البشر في البُعد الإجتماعي والمعنوي هي أرفع مقام يمكن أن يمنحه الله للإنسان، وقد حاز أئمتنا عليهم السلام على هذا المقام الرفيع وإن لم يكونوا أنبياء، إلا أنهم يسيرون على نفس طريقهم، ويعبئون القوى، ويدعون الناس إلى نفس الرسالة التي دعا إليها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

أصول القيادة

والقيادة التي يبحث عنها القرآن الكريم هي الزعامة المتجهة نحو الله تعالى في بعديها الاجتماعي والمعنوي، بخلاف ما يفهمه البشر في العالم المعاصر من القيادة بأنّها مجرّد زعامة اجتماعية، لأنّه يحتاج إلى القيادة بطبيعته، وقيمة هذه القيادة تبتني على ثلاثة أصول:
1- أهميّة الإنسان والقوى المودعة فيه
فقد اهتم القران الكريم بتوجيه الإنسان إلى معرفة نفسه، وما أودع له الله من قوى كبيرةٍ كامنةٍ فيه، فهو أعرف من
الملائكة بالأسماء ممّا جعلها تسجد له، وهو أرفع الموجودات جميعاً، كلّها مسخرة لخدمة مصالح الإنسان (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)7، و(أَلَمْ تَرَوْا أَنّ‏َ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)8.
2- قيادة الغرائز المودعة في الإنسان والحيوان
فالإنسان يختلف عن الحيوان من حيث الغرائز وطبيعتها، وهو أضعف منها في هذا المجال، فالحيوانات مجهزة بمجموعةٍ من الغرائز تُسيِّرها وتقودها وتنظِّم لها حياتها، فهي لا تتعدّاها، إلا أن الإنسان ليس كذلك، فهو من جهة يمتلك قوى أكبر وأكثر من الحيوانات، لكن لم يودع الله فيه غرائز كثيرةً جداً، وإنما ألقى على عاتقه قيادة نفسه، فالإنسان يفتقر إلى الغرائز الداخلية التي تقوده، ولذلك احتاج للموجِّه الخارجي، وهذه فلسفة بعثة الأنبياء عليهم السلام، فإنهم بعثوا لأجل تربية هذه الغرائز، وتعريف الإنسان على النفائس المكنونة في أعماقه، وكيف يستخدمها ويستفيد منها بالشكل الصحيح، ومن ثم توجيه الإنسان والقوى البشرية لتسير على الطريق المستقيم، ويحثونه على الحركة والعمل، وبالتالي تتحقق القيادة الحكيمة للقوى البشرية.
3- القوانين الخاصة في الحياة البشرية
هناك مجموعة من القوانين والأصول الحاكمة على سلوك الإنسان وتصرفاته، والذي ينصّب نفسه قائداً وزعيماً للبشر عليه أن يتعرّف على هذه القوانين الحاكمة، لأنها مفتاح السيطرة على قلوب الناس، فيرسم لهم طريق العمل بها ويحثَّهم على الاستفادة منها بالشكل الصحيح، وتعبير القرآن الكريم بحقّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مثير للدهشة حيث يقول: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيّ‏َ الْأُمِّيّ‏َ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ‏ُ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)9، فهذه الأثقال ليست إلا التقاليد والخرافات، وهذه الأغلال ليست إلا عادات روحيّة تكبّل استعداداته وطاقاته المعنوية الزاخرة التي أدّت به إلى الجمود والشقاء واليأس، ويأتي دور النبي بالقيادة من بُعدها الاجتماعي ليطلق سراح هذه القوى المقيَّدة، ويبثّ فيها النشاط والحيوية، ويأخذ بيدها في المسار الصحيح، فيجعل من أضعف الشعوب، بسبب القيادة الحكيمة، أمّة قويّة لا يفوقها قوّة.
الشهيد مرتضى مطهري
_________
1- البقرة،:124.
2- النساء:6.
3- الكافي، ج‏2، ص‏87.
4- المنسبت هو الذي يضرب الجمل ويخشن في التعامل معه، فلم يقدر على قطع المسافة المطلوبة وفي نفس الوقت قضى على الجمل من الضرب.
5- الكافي، ج‏2، ص‏87.
6- البقرة:124.
7- البقرة:29.
8- لقمان:20.

9- الأعراف:157.

الأحكام الثابتة والمتغيّرة

الأحكام الثابتة والمتغيّرة

اوصاف پيامبر اعظم(ص) در شعر فارسي
إنّ ما تقضي به الإرادة الوجودية وما يدل عليه العقل ينقسم حين يكتسب صيغة النظم والقوانين، إلى قسمين متمايزين، هما:
1- أحكام وقوانين ثابتة تحافظ على المنافع الحياتية للإنسان من زاوية كونه إنساناً يعيش حياة جماعية بغضّ النظر عن المكان والزمان والعوامل الطارئة الأخرى.
من أمثال ذلك بعض العقائد والنظم التي تعكس عبودية الإنسان لخالقه، والقواعد العامة التي ترتبط بحياة الإنسان بدءاً من قضايا الغذاء والسكن والزواج حتى الدفاع عن أصل الحياة الاجتماعية، فكل هذه أمور ثابتة يحتاجها الإنسان دائماً ولا يمكن تصوّر زوالها.
2- أحكام وقوانين تكتسب صفة موقتة أو طارئة لارتباطها بظروف محلية خاصة بحيث تتغير باختلاف طراز الحياة. إنّ مثل هذه الأحكام يكون قابلاً للتبدل والتغيير تبعاً لتغيّر الحالات الاجتماعية والتطوّر التدريجي للحضارة والمدنية وما يستتبعه من زوال القديم وظهور الوسائل والمناهج الجديدة.
على سبيل المثال لم تكن البشرية بحاجة إلى أكثر من طرق عادية بسيطة يوم كان الإنسان يعتمد في وسائل النقل على وسائط بدائية، أما مع التقدّم المدهش الذي حلّ في العالم المعاصر، فقد غدا الإنسان بحاجة إلى آلاف القوانين التفصيلية الدقيقة والنظم المعقدة التي تنظم الحركة في البر والبحر والجو.
والإنسان في عصوره الأولى كان يتعامل مع الطبيعة والمواد الأولية بشكل بسيط فيومن عن هذا الطريق احتياجاته للغذاء واللباس والسكن، ويشبع ميوله الجنسية، رغم أنّه كان يجهد نفسه بأعمال شاقة تستغرق كلّ وقته ولا يجني من خلالها سوى مكاسب متواضعة. أما اليوم فإنّ الحياة تتقدم بسرعة واطراد، بحيث أفضى تراكم الأعمال وتعقيدها إلى فتح آلاف الآفاق والاختصاصات المتنوعة، مما يعكس حاجة الإنسان في موازاة ذلك إلى آلاف القوانين والنظم.
وحين نصل إلى الإسلام نجد أنّه يعتمد الأفكار النقية التي تنهض بها فطرة «الإنسان الفطري» وما تدل عليه في العقيدة والعمل فيجعلها ضرورية التنفيذ.
لذلك نجد أنّ منهجه التربوي يتجه نحو الإنسان الفطري بحيث يهدف من خلال دعوته تحويل المجتمع البشري إلى مجتمع يطفح فيه نقاء الفطرة وما تهدي إليه في العقيدة والعمل والمقصد.
من هنا فإنّ أحكام الإسلام ونظمه تنقسم هي الأخرى إلى قسمين: ثابت ومتغيّر. فالثابت يقوم على أساس ما جبل عليه الإنسان وجودياً وما تقضي به خصوصيته في الخلق، وهذه تسمى الدين والشريعة الإسلامية التي تقود الإنسان لو تحرك في إطار هداها نحو السعادة الإنسانية: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).
أما القسم الثاني فهي الأحكام القابلة للتغيير بحسب اختلاف المصالح والأزمنة والأمكنة. وهذا النمط من الأحكام هو من آثار الولاية العامة، وهي منوطة برأي نبي الإسلام وأولي الأمر المنصوبين من قبله، وتشخص في إطار الأحكام الدينية الثابتة وبحسب المصالح المتغيرة زمانياً ومكانياً.

المصدر: رسالة الإسلام واحتياجات الإنسان المعاصر– العلامه الطباطبائي


تعاليم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

تعاليم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

درس المعرفة
لقد أوجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نظامًا تشتمل فيه خطوطه الأصليّة على عدّة أمور. وجدتُ من بين هذه الخطوط الأصليّة، أربعة أمورٍ أساسيّة هي: المعرفة الشفافة وغير المبهمة، المعرفة بالدين، المعرفة بالأحكام، المعرفة بالمجتمع، المعرفة بالتكليف، المعرفة بالله، المعرفة بالرسول، المعرفة بالطبيعة وهي المعرفة التي أفضت إلى العلم والتعلّم وإلى إيصال المجتمع الإسلاميّ نهاية القرن الرابع الهجري إلى أوج الحضارة العلميّة، فالرسول لم يسمح بالإبهام. وفي هذا المجال، آيات قرآنيّة عجيبة... كلّما وجد إبهام نزلت آية ترفعه1.

درس الأخلاق والحياة
السلوك والتعامل مع العائلة:
قليلًا ما تشاهدون أمثال هذا الإنسان بين البشر أصحاب العواطف فيما له علاقة بالحياة العائليّة2 وباعتباره والدًا، لقد كان هذا الإنسان عظيمًا ومجاهدًا ومضحيًّا في ساحات النضال، وحنونًا عطوفًا رحيمًا. قد سمعتم كيف كان يتعامل الرسول الأكرم مع الحسنين - حفيديه - وهكذا كان يتصرّف مع الأطفال الآخرين، حتّى مع الأطفال الأجانب. كان الرسول يسير نحو المسجد وكان الأطفال يلعبون في الطريق. وهناك خاطبه أحد الأطفال: إنّك يا رسول الله تأخذ الحسن والحسين على كتفيك، فخذنا نحن أيضًا. لم يمانع الرسول فقام برفع طفلٍ إلى هذا الكتف وآخر إلى ذاك، ثم أنزلهما بعد أن مشى قليلًا ثمّ طلب منه طفلان آخران أن يصعدا على كتفيه. كان يرغب أن يحمل الأطفال. وكان وقت الصلاة يأخذ بالاقتراب. وفي هذه الحالة جاء بعض الأصحاب الذين إمّا كانوا يعبرون من المكان أو جاؤوا من المسجد لتفقّد الرسول، فوجدوه يحمل الأطفال فعاتبوهم وأنزلوهم عن كتفيه وتابع الرسول مسيره إلى المسجد. هذا، نموذج عن سلوك الرسول مع الأطفال. كان في عائلته مظهر العاطفة باعتباره والدًا، إذ ليس صحيحًا أنّه إذا كنّا من أصحاب الجهاد والعمل والحركة في ساحة الحرب وتحمّل المصائب فعلينا أن نعفي أنفسنا من العاطفة والمحبة والليونة والمظاهر الإنسانيّة الطبيعيّة في الإنسان، كان الرسول في المنزل، مظهر العاطفة والمحبّة والإحساس المرهف. قرأت في روايةٍ أنّه عندما نزلت آية ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضً﴾3، أصبحوا ينادونه يا رسول الله ولا ينادونه باسمه. دخل الرسول المنزل. بمجرّد أن شاهدته فاطمة الزهراء عليها السلام قالت: يا رسول الله السلام عليكم كانت هي أيضًا تنادي الرسول بعبارة يا رسول الله احتضن الرسول ابنته ولاطفها وقال لها: يا ابنتي ناديني يا أبتي، ولا تقولي يا رسول الله! هذا أعذب عندي. عندما كان يريد السفر، كان آخر شخص يراه هو فاطمة الزهراء. وعندما كان يرجع، كان أوّل من يزور فاطمة الزهراء.

... لكنّه مع تلك العاطفة الشديدة تجاه ابنته -فاطمة الزهراء - كان يقول إنّه اذا سمع أنّها استعارت وسائل بيت المال وأدخلتها المنزل، لجازاها كما يجازي الآخرين. "إنّني لا أُغنِ عنك من الله شيئًا"4. كان مع كلّ ما يحمل من محبّة شديدة لابنته، على استعدادٍ للوقوف بوجهها إذا ناقضت العدل بتصرّفٍ ما أو إذا تجاوزت حقًّا5.

التعامل مع الناس:
عندما نقول نحن أخوة، فهذا ليس مجاملة في الإسلام، أي إنّ المسلمين حقيقةً يمتلكون حقّ الأخوة فيما بينهم وهم يطالبون بعضهم البعض، كما أنّ الأخوة مدينون بعضهم لبعض ويجب عليهم مراعاة الحقوق المتبادلة بينهم. وهذا ما طبّقه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم6.

سلوك المسؤولين مع الناس:
لقد فعل الرسول ما هو أصعب من الجميع. عندما كان يرى شخصًا قد ظهر عليه التعب في حفر الخندق (أثناء معركة الخندق)، وبدا أنّه لم يعد باستطاعته التقدّم، كان يذهب ويأخذ المعوَل منه ويبدأ العمل، أي إنّه لم يكن حاضرًا من خلال إصدار الأوامر فقط، بل كان حاضرًا بجسده بين الجموع7.

كانت إدارته الاجتماعيّة والعسكريّة في أعلى مستوياتها، فكان يلاحق كافّة الأمور. طبعًا كان المجتمع صغيرًا، المدينة وأطرافها، وبعد ذلك أضيف إليه مكّة ومدينةً أو مدينتين أخريين، إلّا أنّه كان مهتمًّا بأمور الناس وكان منظّمًا ومرتّبًا. وقد أجرى في ذاك المجتمع البدوي، الإدارة والحساب والمحاسبة والتحفيز والتنبيه بين الناس. هذه هي الحياة الاجتماعيّة للرسول التي يجب أن نقتدي بها جميعنا، من مسؤولي البلد وأفراد الشعب8.

حاولوا قدر المستطاع أن تكون إدارتكم إسلاميّة. الإدارة الإسلاميّة، تعني الأخلاق الإنسانيّة بالإضافة إلى القدرة الإداريّة. هل شاهدتم ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾9؟ يطلب الله تعالى من الرسول أن يلتفت إلى هؤلاء الناس ويهتمّ بهم. بعد حرب أُحد شعروا بالهزيمة والألم، لذلك شاورهم، تعامل معهم بإحسان، ولكن ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾10. الإدارة عبارة عن: الأخلاق الحسنة، القاطعيّة، والقوة الإداريّة، والتوكّل على الله في كلّ حال، وطلب الخير من خالق العالم والاعتماد عليه11.

التعامل مع المعلّمين والتلاميذ:
تلاحظون الاهتمام الكبير الذي أولته الثقافة والتعاليم الإسلاميّة للمعلّم، وتواضع الطالب أمامه. إنّ هذا الأمر مطلوب. مع العلم أنّ الإسلام لا يقبل لأيّ إنسان أن يعتبر نفسه صغيرًا وحقيرًا أمام إنسان آخر، إلّا أنّ هذا الأمر هنا من الحالات الاستثنائيّة.

ما يؤسَف له أنّ الموجود في ثقافة العالم المادّي عكس ذلك، حيث لا يرى هذا الأمر على الإطلاق، أي إنّ الثقافة التي اقتبسناها من الأوروبيّين، لا وجود فيها لاحترام المعلّم. لا نقول إنّهم كتبوا في كتبهم أن لا تحترموا المعلّم، بل لم يُلحظ في الثقافة الغربيّة عادة احترام المعلّم والتربية عليها12!

التعامل مع الجميع بمحبّة:
... حاولوا أن تحبّوا الجميع، هذا تكليف وتعليم إسلامي، ليس هذا بالأمر السيّئ. لا يجب إيجاد المبرّر للعداء، وأن يقوم الشخص بإخراج آخر من لائحة محبّته لمبرّرات معيّنة، لا! إنّ أجواء المجتمع الإسلامي، هي أجواء المحبّة حتّى لو كنتم لا تعرفون الشخص13.

التعامل مع العقائد والقيود الاجتماعيّة الخاطئة:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾14.

جعل الله تعالى وضع الإصر والأغلال عن أعناق البشر واحدة من خصوصيّات الرسول - الإصر تعني الالتزامات المفروضة على الإنسان - وهذا مفهوم واسع جدًّا وعجيب. لو أخذنا بعين الاعتبار وضع المجتمع الديني وغير الديني في تلك المرحلة، ستجدون أنّ هذا "الإصر" - الالتزامات والعقود المفروضة على الإنسان - يشتمل على الكثير من العقائد الباطلة والخرافيّة والكثير من القيود الاجتماعيّة الخاطئة التي فرضتها على الناس أيدي الاستبداد أو التحريف. "الأغلال" واضح وهو الغل والسلاسل15.

درس الحرب
الأهداف والدوافع:
إنّ كافّة حروب النبيّ كانت حروبًا دفاعيّة. هذا لا يعني أنّه في كافّة العمليّات كان يجلس، ليأتوا ويهجموا عليه! لا، الدفاع بهذا المعنى ليس صحيحًا. لو لم يتسلّح الرسول، لو لم يستعدّ، لولا ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾16، لتمّ القضاء من الأيّام الأولى على الإسلام والقرآن والرسول والمجتمع الإسلامي، لذلك كان الرسول مجبَرًا على الحرب17.

الأصول التي يجب مراعاتها في الحرب:
من جملة وصايا الرسول في ساحة الحرب، للأشخاص الذين كانوا يذهبون للحرب، الرحمة بالنساء والأطفال، والشهامة في التعامل مع جنود العدوّ، وعدم قطع الماء عنهم، وعدم منعهم من الطعام، وقبول استسلام البعض، وقبول من ادّعى الإسلام حتّى لو كان الأمر في أوج المعركة، أي الابتعاد بالكامل عن حالة الانتقام والخشونة. كان الكفّار الذين لا يشعرون بخصومة وعداء مع الرسول، يأتون إليه، فكان عطوفًا رحيمًا معهم إلى مستوى أنّهم كان يخجَلُون من ذلك18.

... لقد وصل رسول الله هذه القلوب بعضها ببعض وأخرج منها مجموعة واحدة مُحكَمة. حتّى إنّ أعداء الإسلام من المؤرّخين الذين تبانوا على الغفلة عن التأثيرات المعنويّة في فتوحات الإسلام - سواء العرب أو الأوروبييّن الذين كتبوا تاريخ الإسلام وتاريخ الحضارة الإسلاميّة - لم يتمكّنوا من إنكار هذه المسألة، وهي أنّ المسلمين كانوا كاليد الواحدة التي فيها عدد من الأصابع يتحرّكون ويعملون كقبضة واحدة وعنصر واحد، كانوا كالعنصر الواحد الذي لا يقبل التفكيك كما تتحدّث الآية الشريفة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾19. كأنّهم إذا أرادوا إحكام قاعدة، وضعوا الرصاص على الأساس عند ذلك لا يمكن أن تهتزّ. كان يظهر هكذا بنيان في ساحات الحرب ومواجهة العدوّ، لذلك كان النصر حليفه من دون استثناء20.

كان رسول الله قائدًا عسكريًا. وكان التنظيم العسكري في القديم يقتضي وضع القائد في مكان ليبقى بعيدًا عن الخطر. السبب في ذلك واضح، وفيه وجه معقول ومنطقي، فلو كان القائد في المقدمة ثم قُتل، عند ذلك يضطرب الجهاز العسكري بأكمله، وأمّا إذا كان في الخلف كان بإمكانه الاستمرار في المعركة حتّى لو قُتل نصف الجنود، وعلى الأقلّ بإمكانه الانسحاب والنجاة، ولكن عندما يُقتل القائد، لا تختلط الأمور فحسب، بل قد تكون الخسائر أكبر. أمّا رسول الله الذي كان يتمتّع بقوى غيبيّة فوق المعتاد، فكان يتقدّم الجميع، ليحارب عندما يصبح الأمر صعبًا وعندما يبدأ العدوّ هجومًا كبيرًا، وعندما لا يبقى باستطاعة المقرّبين أمثال أمير المؤمنين والحمزة والآخرين التحمّل والمقاومة فيلجؤون إليه21.

كيفيّة قبول الصلح:
في العام السادس للهجرة توجّه الرسول نحو مكة. لقد وعد الله تعالى رسوله بدخول مكّة وقام الرسول بدوره بإخبار الناس بذلك. جاء المسلمون على أساس أنّهم سيدخلون مكة. تجمّع الأعداء في مكانٍ يُسمّى "الحديبيّة" ومنعوهم من الحركة. أرادوا قتل المسلمين وإزالتهم بالكامل، إلّا أنّ الله تعالى حفظ المسلمين وحفظ عباده وانتهت القضيّة بكتابة صلح عُرِف بـ"صلح الحديبية". عندما كانوا يكتبون معاهدة الصلح، طلب الرسول من أمير المؤمنين أن يكتب بعد اسم محمد، كلمة "رسول الله". اعترضوا وقالوا: نحن لا نعتقد بأنّك رسول الله. وافق الرسول وطلب من أمير المؤمنين إزالة هذه الكلمة. تحدّث أمير المؤمنين إلى الرسول بأنّ قلبه لا يسمح له بإزاله هذه الكلمة، فبادر بنفسه إلى ذلك، حيث بدأ الرسول معاهدة الصلح هذه بعبارة "بسم الله الرحمن الرحيم"، التي تمثّل شعارًا إسلاميًّا. اعترض الكفار بأنّهم لا يعرفون الرحمن الذي يتحدّث عنه وطلبوا منه الشروع بعبارة "بسمك اللّهم" وهو الشعار الذي كان يستخدمه المشركون وكفّار قريش. فوافق الرسول على تدوين عبارة "بسم الله". تعجّب المسلمون ممّا آلت إليه الأمور وارتفع ضجيج بعض المسلمين الذين خاطبوا الرسول: ماذا تفعل؟ ألَسنَا على الحقّ؟ أليسوا هم على الباطل؟ ووصلت الأمور عند أحد المسلمين المعروفين ليقول بأنّه في ذاك اليوم أخذه الشكّ في نبوّة الرسول! هل تعرفون العبارات التي تحدّث بها القرآن الكريم حول هذه الحادثة؟ الآيات الأولى في سورة "الفتح" التي تقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينً﴾22، تشير إلى هذا الصلح. إنّ الفتح المبين الذي تحدّث عنه القرآن، هو صلح الحديبيّة، وليس حروب بدر وحنين وأُحد والأحزاب. في الحروب قبل صلح الحديبية، كان الرسول في مكان فاتحًا مطلقًا - كبدر- وفي مكان آخر تعرّض لانتكاسة - كأحد - وفي مكان ثالث قد حوصر - كالأحزاب - وانتهى الأمر في مكان آخر إلى الموادعة23، كما في بعض الحروب الأخرى. إنّ صلح الحديبيّة لم يجعل شعار حرب "بدر" و"أُحد" شعارًا خاطئًا على الإطلاق إذ أنّ الرسول لم يتراجع عن شعار الحرب مع الكفّار والمشركين، ولم يغيّر موقفه، إلّا أنّ المصلحة ذاك اليوم كانت ما حصل، كما كانت المصلحة في "بدر" ما حصل، وكذلك في "أُحد" و"الأحزاب"، هذه هي الجذور التاريخيّة لهذا العمل. تلاحظون أنّ كل شيء في تاريخ الإسلام، ينطبق على نظامٍ منطقي وواضح وفي مكانه24.

أسلوب التعامل مع المنهزمين والأسرى:
كانوا يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ببعض المسيحيّين الذين يتمّ أسرهم في بعض الحروب - سواء من القبائل العربيّة أو غير العربيّة - حيث كانوا يتأثّرون بأخلاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما يدفعهم إلى دخول الإسلام، وقبول دين الرسول، هذه هي ليونة وعطف النبيّ25.

تنتهي الحروب إلّا أنّ التجارب تبقى. الأحداث الكبيرة تحمل دروسًا للبشريّة وسيبقى هذا الدرس في صدور وأذهان البشريّة وهو أنّ حضارة، رغم مع كلّ ما فيها ومع كلّ ادّعاءاتها، خرجت مهزومة من ساحة الامتحان من خلال الأعمال التي يمارسها هؤلاء (الأمريكيون)، من إشعال الحروب والظلم وعدم العدالة والغرور والسلوكيّات غير العاقلة. ومن أبرز تجارب هذه الحضارة، إشعال الحروب، تهديد السلام، قتل الأبرياء، صرف رساميل طائلة على الحروب تحت مبرّرات لا يمكن الوثوق بها. قارنوا بين هذه وبين الحضارة الإسلاميّة عندما فتح المسلمون المناطق الغربيّة في العالم الإسلامي- أي مناطق الروم وسوريا اليوم - في زمان الخلفاء الراشدين، حيث تعاملوا مع اليهود والمسحيّين بأسلوب جعل الكثيرين منهم يتوجّهون نحو الإسلام. وفي بلدنا إيران استسلم الكثير من الناس من دون مقاومة! لأنّهم شاهدوا مروءة ورحمة ومداراة المسلمين للأعداء، لذلك جاءوا بأنفسهم إلى الإسلام. يذكر التاريخ أنّه عندما دخل المسلمون "روما"، كان اليهود يردّدون عبارة: "والتوراة"، قسمًا بالتوراة إنّنا لم نرى يومًا جميلًا في حياتنا كهذا اليوم26.

درس العزّة
كان العلم لدى الرسول مترافقًا مع الأخلاق، الحكومة مع الحكمة، عبادة الله مع خدمة الخلق، الجهاد مع الرحمة، عشق الله مع عشق مخلوقاته، العزّة مع التواضع، التدبير اليومي مع بُعْد الرؤية، الصداقة مع العمق السياسي، استغراق الروح بذكر الله مع الاهتمام بما هو في مصلحة وسلامة البدن. كانت الدنيا والآخرة مترافقتان والأهداف الإلهيّة المتعالية مع الأهداف البشريّة الجذّابة كذلك27.

درس التعليم
ليس المسلمون وحدهم من كان يستفيد من التعاليم النبويّة. إنّ المعرفة المعاصرة في الدنيا، والحضارة المعاصرة، والمعرفة الموجودة اليوم في هذا العالم وتطوّر القافلة البشريّة، كلّ ذلك مرهونٌ لوجوده. إنّ هذا المعنى ليس ادّعاؤنا نحن المسلمون. إنّ كافّة المؤرّخين والمنصفين من الأشخاص يوافقون على أنّ ظهور الصحوة (النهضة) العلميّة في العالم الإسلامي، ساهمت في انتقالها إلى الأماكن الأخرى عن طريق التبادل وحتّى عن طريق الفتوحات والحروب28.

درس الرحمة والكرامة
يمكن تشبيه الرسول الأكرم بأكثر النجوم تلألؤًا في كائنات عالم الوجود والإشارة إلى ذاك الوجود العظيم والمقدّس بهذا العنوان. لماذا نقول النجم المتلألئ ولا نقول الشمس؟ لأنّ الشمس جسم وجرم مشخّص ومعيّن، مضيئة وذات عظمة، إلّا أنّها جرم وكرة سماويّة، في النجوم التي تشاهدونها، هناك نجوم تشكّل مجرّة، أكبر آلاف المرّات من المجرّات التي نراها فوق رؤوسنا في السماء ليالي الصيف. المجرّة أي المجموعة التي تحتوي على آلاف النجوم والآلاف من الشموس. إنّ وجود الرسول شبيه بوجود المجرّة وفيه آلاف النقاط المضيئة بالفضيلة.

درس الوحدة
باشر الرسول عمله بمجرّد دخوله المدينة، فبنى مسجدًا، ثم خطّط لإدارة وسياسة ذاك النظام، قد لا يتمّ الالتفات لو نظر الإنسان إلى كلّ واقعة على حدة، (لذلك) يجب أن يدقّق ويشاهد كيفيّة تنظيم العمل، كيف جرى القيام بكافّة هذه الأعمال، بأسلوبٍ يدلّ على التدبير والوعي والحساب الصحيح.

في البداية، تمّ إرساء الوحدة. لم يكن أهل المدينة قد أسلموا بأجمعهم، أكثرهم دخل الإسلام والبعض القليل بقي غير مسلم. فأوجد الرسول الأكرم ميثاقًا جماعيًّا عامًّا.

... الحركة الأخرى التي قام بها الرسول، هي إيجاد الأخوّة. من أهم المصائب التي ابتلى بها المجتمع العربي المتعصّب والجاهلي في ذاك الزمان، الأرستقراطيّة، والعصبيّات الخرافيّة، والغرور القبلي، وانفصال طبقات الناس المختلفة بعضها عن بعض. عندما دعا الرسول إلى الوحدة، فقد داس على ذلك كلّه29.

أفضليّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم 
كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه في أوج عالم الخلق من ناحية الشخصيّة، سواء في تلك الأبعاد التي يمكن للبشر فهمها، أمثال المعايير الإنسانيّة المتعالية: العقل، والتدبير، والوعي، والكرم، والرحمة، والعفو، والقاطعيّة والأمور الأخرى من هذا القبيل، أم في الأبعاد التي لا تحيط بها الأذهان البشريّة: الأبعاد التي تبيّن تجلّي الاسم الأعظم للحقّ في وجود الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومقام قرب الرسول من الله تعالى، وهي الأمور التي نسمع عنها ونعلمها بالاسم والشكل فقط، أمّا حقيقتها فهي معلومة لله تعالى والأولياء العظام، كذلك رسالة ذاك العظيم التي هي أسمى رسالة وأهمّها لسعادة الإنسان، رسالة التوحيد، رسالة الارتقاء بالمرتبة الإنسانيّة30.
* كتاب الشخصية القيادية لرسول الإسلام محمد (ص) في فكر الإمام الخامنئي دام ظله، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- خطبتا صلاة الجمعة في طهران (18/2/1377)(8/5/1998).
2- كان إذا آوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءٌ لله عزّ وجلّ، وجزءٌ لأهله وجزءٌ لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة والخاصة ولا يدخر منه شيئًا. فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم وأصلح الأمة. (الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص 13). وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويفتح الباب ويحلب الشاة ويعقل البعير فيحلبها ويطحن مع الخادم إذا أعيا... (العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 16، ص 227).
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكل كل الأصناف من الطعام وكان يأكل ما أحل الله له مع أهله وخدمه إذا أكلوا ومع من يدعوه من المسلمين على الأرض وعلى ما أكلوا عليه، ومما أكلوا إلا أن ينزل بهم ضيف فيأكل مع ضيفه وكان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف. (الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص 26).
3- سورة النور، الآية 63.
4- مسلم النيسابوري، أبو الحسن مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت لبنان، ج 1، ص 133.
5- من كلامه في مركز التوحيد (10/8/1365)(1/11/1986).
6- خطبتا صلاة الجمعة في طهران (28/7/1368) (20/10/1989).
7- خطبتا صلاة الجمعة في طهران (28/2/1380)(18/5/2001).
8- خطبتا صلاة الجمعة في طهران (28/2/1380)(18/5/2001).
9- سورة آل عمران، الآية 159.
10- سورة آل عمران، الآية 159.
11- من كلام له في لقاء قادة القوة البحرية في الحرس (5/2/1377)(25/4/1998).
12- من كلام له في لقاء وزير التربية والتعليم والمعلمين النموذجيين (12/2/1370)(2/5/1991).
13- خطبتا صلاة الجمعة في طهران (28/7/1368)(20/10/1989).
14- سورة الأعراف، الآية 157.
15- من كلام له في جمع طلاب جامعة تربيت مدرس (12/6/1377)(3/9/1998).
16- سورة الأنفال، الآية 60.
17- من كلام له في معسكر الإمام الحسين (30/3/1363)(19/6/1984) عليه السلام.
*صحيفة الإمام، ج 10، ص 106: إذا نظرنا إلى عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وخلافة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، نجد أنّ حروبًا كثيرة حدثت وكلها كانت تربية للمجتمع وتهذيبه. فلقد خاض رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم حروبًا متعددة وخسر بعضها لكن مبدأه لم يُهزم وكان محفوظًا.
18- كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يبعث سرية بعثها أول النهار وفي الكافي: بإسناده عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث بسرية دعا لها وفي قرب الإسناد: عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا وجه جيشًا فأمّهم أمير بعث معه من ثقاته من يتجسس له خبره. وفي الكافي: بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا بعث أميرًا له سرية أمره بتقوى الله عزّ وجلّ في خاصة نفسه، ثم في أصحابه عامة، ثم يقول: "قاتلوا الكفّار بسم الله وفي سبيل الله، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا متبتلًا في شاهق، ولا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعًا لأنّكم لا تدرون، لعلكم تحتاجون إليه، ولا تعقروا من البهائم مما يؤكل لحمه إلّا ما لا بدا لكم من أكله، وإذا لقيتم عدوًا للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم وكفوا عنهم (العلامة الطباطبائي، سنن النبيّ، ص 84 86).
19- سورة الصف، الآية 4.
20- من كلام له في مركز التوحيد (10/8/1365)(1/11/1986).
21- من كلام له في مركز التوحيد (10/8/1365)(1/11/1986).
22- سورة الفتح، الآية 1.
23- أو المتاركة.
24- خطبتا صلاة الجمعة في طهران (31/4/1367)(22/7/1988).
25- من كلام له في مركز التوحيد (10/8/1365)(1/11/1986).
26- من كلام له في لقاء مسؤولي النظام (23/7/1380)(15/10/2001).
27- من كلام له في جمع زوار الحرم الرضوي (1/1/1385) (21/3/2006).
28- من كلام له في جمع زوار الحرم الرضوي (10/4/1378)(1/7/1999).
29- من كلامٍ له في لقاء مسؤولي النظام (31-2-1379) (20-5-2000).
30- من كلامٍ له في لقاء مسؤولي النظام (31-2-1379) (20-5-2000)

النبي يونس عليه السلام





النبي يونس عليه السلام
يونس يدعو قومه
قامت دولةُ الأشوريِّين في بلاد "مابين النَّهرين"، وكانت عاصمتُها "نينوى" بأرضِ الموصلِ.

وكانوا يهتمُّونَ بزراعةِ الأرضِ، اهتمامَهم بالعزوِ والتوسُّعِ، شأنهم في ذلك شأنُ جميعِ شعوب تلك الحقبةِ من التَّاريخ.

وإلى جانب ذلك، فقد كانوا وثنيِّيين، يعبدونَ الأصنامَ. وارتفعت الأصنامُ في بيوتِ عبادّتِهم، وفي مدينة نينوى بشكلٍ خاصٍّ وتقرّبوا إليها بالعبادة والطّاعة، متّخذين منها آلهةً من دون الله تعالى.

وأباحوا لأنفسهم كلَّ حرامِ.. فكانوا لايتورعون عن ارتكاب المعاصي والموبقات، ولايتناهون عن كبائر الفواحش، والآثام!.

فأرسل الله تعالى إليهم نبيَّهم "يونس" يدعوهم إلى عبادةِ الله وحدِهِ:

- يا قومُ!.. ماهذه الأصنامُ التي أنتم عليها عاكفون؟..

إنَّ ربَّكم الله خالقُ كلِّ شئٍ، فتوبوا إليه، واعبدوهُ، يمتِّعكم متاعاً حسَناً..

- ماهذا الهذرُ يا يونس، وما هذا البهتانُ الذي تأتينا به؟

أنعبدُ إلهاً لا نعرفُه، ولا نراهُ، ونذرُ آلهتنا التي نشأنا على عبادتها نحنُ وآباؤنا الأقدمون؟

فمن ينجِّينا إذاً من سخط "أشور"، عظيم آلهتنا، إن آمنّا بك واتّبعناك؟

- إنني ياقومُ إليكم بشيرٌ ونذيرٌ.. أرسلني الله إليكم كي أدعوكم إلى ما أوحيَ إليَّ به من الله العزيز الحكيم، أن اعبدوه وحده لا شريك له، ولا تُعرضوا عن هذا الدّين الّذي أتيتكم به.

فإن آمنتم وصدَّقتم برسالةِ ربكم كنتم من الفائزين.. وإلاّ، فانتظروا سخط الله عليكم، وعذابه، فلا تُقبلُ عندئذٍ توبةُ التَّائبين، ولا ينفعُ ندمُ النّادمين. إنّ أجلَ الله لآتٍ لو كنتم تعلمون!..

- ما نراك يايونس على شئٍ مما تدعوننا إليه، ولسنا لدعوتك بمستجيبين، ﴿فائتنا بما تعدنا غن كنت من الصّادقين﴾ .

ويكرّر يونس دعوته قومه إلى دين الحقِّ، فلعلَّهم يؤمنون.. فلا يزدادون إلاّ غيّا، وإصراراً على ما هم سادرون فيه من ضلال.. فيضيق بهم ذرعاً.. إنهم قومٌ عمون!..

وأخيراً، يُنذرُهم: إنّكم مُنظرون (أي: مُمهَلون) ثلاثة أيّامٍ كي تتوبوا، وتُقلعوا عمَّا أنتم عليه من الكفر، وتعودوا إلى الله؛ ربَّكم، وإن لم تفعلوا، فائذنوا بالعذاب الأليم!..

وينصرف يونسُ عن محاجَّتهم ومحاولة إقناعهم...

وينظر قومُ يونسُ، بعضُهم إلى بعضٍ، متسائلين:
- أحقاً ما ينذرُنا به يونس؟

ويُردفُ أحدّهم:
- أو عهدتم عليه، قبلَ ذلك، كذباً؟...

- لا، إنه بيننا الصَّدوقُ الأمينُ!..

- الرأيُ أن تأخذوا قوله على أنه الصدق، ولمزيدٍ من التأكيد، علينا أن نراقب مبيته، فإن بات فليس بشئٍ، وإن لم يبت، فاعلموا أنَّ العذابَ مُصبِحُكم..

فلمّا كان في جوف الليل خرجَ يونسُ من بين أظهرهم، وانطلق في أرض الله... مرتحلاً عن قومِهِ، مغاضباً، يائساً من هؤلاء القوم الفاسقين..

وهكذا لم تكن لنبيِّ الله يونسُ أناةُ نوحٍ، ولا صبرُ أيوبَ، ولا عزمُ موسى وإبراهيم!

نُذُرُ العذاب
وما أن ابتعدَ يونسُ عن نينوى حتّى لاحَتْ نُذُرُ العذاب...

فقد غشيَ المدينة غيمٌ أسودُ ينبعثُ منه دخانٌ عظيمٌ،.. فاسودت سطوح منازلهم، وخيَّم العذابُ فوقَ رؤوسهم أجمعين!.. وتغيَّرت هيئاتُ قومِ يونس، واكفهرَّتْ وجوههُم، واربدَّت!..

ونظر بعضُهم إلى بعضٍ، فإذا بهم مكفهرُّون!..

ونظروا إلى علٍ فإذا بالجو أسود قاتمٌ.. فداخلَهم خوفٌ ورعبٌ شديدان، وامتلأتْ قلوبهم هلعاً.. فأيقنوا بالهلاك، ووشيك العذاب الأليم!..

وتوجَّهوا بجموعهم إلى "مليخا" كبير زهّادهم،.. وإلى "روبيل" عظيم علمائهم،.. يستفتونهما:
ما العملُ؟.. وقد غشيَنا العذابُ.. فالأمرُ عصيبٌ، شديدٌ..

فأشار عليهم بأن يلبسوا المسوح (وهو لباسُ الزهَّاد من الرهبان)، وأن يتفرّقوا بين قمم الجبال، وبطون الأودية، ومنبسطات السُّهول.. وأن يُفرِّقوا بين الأمّهات وأولادها، من بشرٍ وحيوانٍ.. وأن يتوبوا إلى الله..

ففعلوا ذلك:
وفزعوا إلى الله، يجأرون بالاستغاثة والدعاء:
- يا حيَّ،.. يا قيُّوم، يا محييَ الموتى،.. لا إله إلا أنت!..

وعلا بكاء الأطفال الرُّضَّع، وحنينُ البُهم الصِّغار الرُّتَّع، ودعاءُ الشيوخ الرُّكَّع.. وتابوا إلى الله توبةً نصوحاً!..

قال ابن مسعود:
"بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادُّوا المظالم بينهم،... حتّى أن الرّجل كان ليأتي بالحجر، وقد وضع عليه أساسُ بنيانه، فيقتلعُه، ويردُّه!.."

فما زالوا على ذلك،... حتّى نظر الله تعالى إليهم، وهم على هذا الحال، فبسط عليهم رحمته، وقد تقبَّل منهم توبتهم.. فلم يؤاخذ الصغيرَ بظلمِ الكبير، ولا الضعيفَ بجريرةِ القويِّ، ولا الحييَّ بفسوق الفاجر الكفّار.. بل شملهم جميعاً برحمةٍ منه. ورفع عنه العذاب، وقد كاد يحيطُ بهم جميعاً!..

يونسُ يذهب مغاضباً
أمّا يونسُ فقد تابع انطلاقه، مغاضباً، دون أن يأمره الله بذلك. أو يوحي به، إليه، بل، تأوّلاً منه، وترخُّصاً، وصدوراً عن رأيه هو.. وهو فعل ذلك،... فيتحمّل إذاً التّبعات!...

وكان يظنُّ ظناً شديداً بأنْ لن يقدرَ الله عليه...

سواء كان معنى هذا "القدر" تقتيراً في الرِّزقِ، كما يراه بعضُ أجِلاَّئنا المحقِّقين، أو تقديراً من الله تعالى، كما يراه بعضهُم الآخرُ.

وأمعن يونسُ يضربُ في طولِ الفضاءِ، وعرضِه، (كنايةً عن الجدِّ في السير) حتى حطَّت به عصا التَّسيار أمام شاطئ البحر،... فتوقَّف مُضنىً، تعباً!..

يونس في السفينة
وشاهد سفينةً شُحِنت بحّارةً ومسافرين، ومتاعاً كثيراً.. وقد أخذت أشرعتُها ترتفعُ، مؤذنةً بالإبحار!..

فاقتربَ يونسُ من الرُّبَّان، وبعضِ النوتيَّة، يسألهم أن يصطحبوه معهم، في رحلتهم هذه، فقبلوه بينهم،.. وأنزلوه كواحدٍ منهم، عزيزاً، مكرَّماً،.. وقد أُخذوا بسيماء هذا العبد الصّالح الوقور، الكريم خلقاً وخُلُقاً!..

وأقلعت السَّفينةُ متهاديةً على صفحة اليِّم،.. فالبحرُ ساجٍ (أي: هادئ ممتد) والريحُ طيِّبةٌ، رُخاءُ!..

وفي قلب البحر هبَّ على السَّفينةِ إعصارٌ عاصفٌ، فتلاعب بها ذات اليمين وذات الشمال.. وأخذها الموج من كلّ جانبٍ، حتى أشرفت على الغرق.. فدعو الله مخلصين، أن يُنجّيهم من هذا الكرب الشديد..

وبينما هم كذلك، يغالبون الأمواج العاتية،.. وإذا بحوتٍ يشقُّ طريقه إلى السَّفينة، وكأنه قطعةُ جبلٍ،.. ويأخذُ بالدّوران حولها، والإلتفاف عليها،.. يبتغي رزقاً يطعمه!.. فاحتار الربّان في أمره، لا يدري ماذا يفعلُ.. ووجمَ النوتيّة، مضطربين.. وعلت الأصواتُ بالاستغاثة والدُّعاء.. فهم بين بحر هائجٍ. تتعالى أمواجُه كالجبال، وحوتٍ ضخمٍ لا يبرُح جانبي السّفينة، شاخصاً بعنقه إلى من فيها من ركّاب!..

جزاي العبد الآبق
وتشاور ركّابُ السّفينة فيما بينهم،.. ماالعمل؟

واستقرّ رأيُهم على أنّ بينهم عبداً آبقاً من مولاه (أي: هارباً من سيده) ولذلك كانت هذه العاصفةُ المجنونةُ،.. وهذا الحوتُ المنكر، الذي يأخذُ على سفينتِهم كلَّ طريقٍ!. وأجمعَ رأيَهم على إلقاءِ رجلٍ منهم في البحر.. فلعلّهم يتخلّصون من هذا النَّحسِ الذي يصاحبُهم، فيصفو الجوُّ.. ولعلَّ الحوتَ يقنعُ به، فيدعُ السَّفينةَ، وشأنها.. وتعاهدوا على ذلك.. ولجأوا إلى القُرعة: أيُّهم يكونُ نصيبَ الحوت؟.. وأجالوا القرعة فيما بينهم، فوقعت على يونس..

فاستعظموا أن يقذفوا بهذا العبد الصّالحِ في لجَّةِ البحر، لقمةً شائغةً لهذا الحوت الشرس، العنيد..

وأجالوا القرعةَ ثانيةً، فوقعت على يونس..

فأبوا..

وأجالوها ثالثةً، فأصابت يونسَ أيضاً!..

فعلم الجميعُ أن في الأمر سراًّ..

ونظروا إلى يونس كالمعتذرين، فمشيئة الله تأبى غيرَه.. فما كان من يونس إلاَّ أن رضي، قانعاً بما قسم الله له،.. وقد أوحيَ إليه:
- "عبدي... إن إردتَ أن تهربَ من قضائي، فاخرج من أرضي وسمائي!.."

وأسلم نبيُّ الله أمرَه ووجهَه لجبّار السّموات والأرض، وتوجَّه إلى حافّة السّفينة، واضعاً كلتا يديه على رأسه، وألقى بنفسه في لجّة الماء المزبد، وهو يصرخ: يا الله!..

وشاهد الحوتُ جسماً يتحرَّكُ في الماء، يغالبُ الأمواجَ العاتيةَ.. فاتَّجَهَ إليه، والتقمَه ابتلاعاً، دون أن يمزِّق منه لحماً، أو يهشم له عظماً.. وقد أوحى الله تعالى إليه:
"إني لم أجعل عبدي لك رزقاً، ولكني جعلت بطنكَ له مسجداً،.. فلا تكسرنَّ له عظماً ولا تخدشنَّ له جلداً.."

ومضى الحوتُ في طريقِهِ، لا يلوي على شئ..

وتابعت السفينة طريقها.. وقد ساد رُكّابها حزنٌ طفح على وجوههم جميعاً، وقد كان صاحبُهم بينهم منذ لحظات..

ثم لبثوا أن أخذهم العجبُ الشّديدُ: إذ سرعان ما عادت الريح طيِّبة، رخاءً،.. وعادَ الجو إلى صحوهِ وإشراقِهِ، بينما انصرف الحوتُ وشأنَه.. وكأنَّ شيئاً لم يكن!.

واستقرّ يونس في جوف الحوت،.. وكأنّه في جوف قبرٍ مظلمٍ، تتحرك فيه مياهٌ جيئةً وذهاباً..

وعصفت به وحشةٌ رهيبةٌ قاسيةٌ، كادت تقطع أنفاسَه..

فذكر الله، مسبِّحاً له، مقدِّساً إياه، وهو سجين ظلماتٍ ثلاثٍ: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة جوف الحوت.

أما المدَّة التي بقيها يونسُ في جوف الحوت، فقد اختلف العلماء والمفسِّرون فيها: فمن قائلٍ: ثلاثة أيام،.. إلى قائلٍ: بل، سبعة. وقيل: عشرون يوماً. وقيل: أربعون.

ويلقي القرآن الكريم على ذلك ضوءاً، بقوله، عزّ وجلَّ: ﴿وذا النّون (أي: صاحب الحوت، والمقصود به يونس)، إذ ذهب مغاضباً فظنَّ أن لنْ نقدِرَ عليه، فنادى في الظُّلُماتِ أن لا إله إلاّ أنتَ سُبحانكِ إنّي كنتُ من الظّالمين. فاستجبنا لهُ ونجّيناهُ من الغمِّ وكذلك نُنجي المؤمنين﴾ .

[ونحنُ نعلم بأنّ لهاتين الأيتين الكريمتين، قدراً عند الله تعالى، خاصّاً.. بحيث أُثبتت قراءتُهما في الرّكعة الأولى من صلاة الغُفيلة، بين فرضي المغرب والعشاء].

ويشاء الله تعالى أن يشمل عبده اللاّهج باسمه، برحمته.. وهو حيثُ هو.. في هذا القبر الحيِّ.. المتنقِّلِ به في قيعان بحار الدُّنيا!. فأوحى إلى الحوت: أن الفِظ عبديَ على الشاطئ الأمين.. ففعل!.

وخرج يونسُ - وقد قاءه الحوت ُيتلمَّس طريقَه على الشاطئ، كالفرخِ الأزغب.. وقد رقَّ جلدُه بسبب ملوحةِ مياه البحر التي كان يقبع فيها، وهو في جوف الحوتِ.. ووَهنت قواه لفَرطِ ما عاناه، حتّى لكاد يُشرِف على الهلاك.

واقتعد ناحيةً من الشَّاطئ، مفترشاً الرَّملَ.. فآذته حرارةُ الشَّمسِ.. فأنبتَ الله عليه شجرةً من يقطينٍ، فاستظَلَّ فَيْأها، وتناول منها ما اقتات به بعض الشئ..

وأخذت تسري الحياةُ في أوصاله شيئاً فشيئاً.. حتى تماسك على نفسهِ واستعادَ بعض قواه الخائِرةَ.

يونس يعود إلى قومِهِ
أمّا قومُ يونسَ، فقد علموا بما أصابَ صاحبَهم النبي، الذي غادرهم وهو يتفجَّر غضباً، لِماهم سادرون فيه من غيِّ، وضلال.. وأيقنوا أنّه تحوَّل طُعمةً لحيتان البحار، ووحوش قيعانها النَّواهشِ.. فصرفوا النظرَ عنه.. وقطعوا الأملَ من عودته، ثانيةً، إليهم.. وكانوا ياسفون لموقفِهم السَّابق منه، أسفاً شديداً.. ويندمون ندماً مريراً..

وكانوا، فيما بينَهم، يقولون:
- يا ليت يونسَ يعودُ إلينا،.. لوجدنا، إذاً، من المؤمنين، وبرسالته من المصدِّقين، بعد أن منَّ الله علينا، فهدانا إلى صراطه المستقيم، واتَّبعنا دينَه القويمَ!..

ولشدَّ ما كانت دهشةُ قوم يونس، عندما رأوا نبيَّهم عائداً إليهم وفي مدينتهم نينوى ذاتها.. حيث كثُرَ أتباعه، وغمَّ أشياعهُ، فهم مئة ألفٍ أو يزيدون...

ووجدوا في عودته إليهم معجزةً سماويَّةً كبرى!..

ولشَدَّ ما كانت دهشةُ يونسَ عندما وجد قومَه مسلمين مؤمنين، بعد أن تركهم، في أمسهم القريب، كافرين فاسقين!..

وأحاطت نينوى بنبيِّها العائدِ إليها، مكرِّمةً إياه، رسولاً كريماً، ونبيَّاً أميناً.. وأدرك يونسُ أنَّهُ قد استعجلَ أمر ربِّه..

وليس للنبي المصطفى أن يستعجل أمر مولاه، فلله الحكمة البالغةُ،.. وهكذا كان ليونس ماكان!..

ولو طالت أناتُه قليلاً لتوصَّل إلى حمدي العُقبى، وجميلِ المال، ولوفَّر على نفسه عناءً كثيراً، وابتلاءً عظيماً..

﴿إنّ الله بالِغُ أمرِهِ قد جعل الله لِكُلِّ شئٍ قدر﴾ 

ولنُصغ خاشعين إلى الله تعالى يوجز لنا قصة يونسَ، هذه، بالكلم المعجز، المتجلِّي في هذه الآية من الذّكر الحكيم:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وإنّ يونُسَ لمن المُرسلين * إذ أبق الى الفُلكِ المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمهُ الحوتُ وهو مُليمٌ * فلولا أنّهُ كان من المسبِّحين * للَبِثَ في بطنهِ إلى يومِ يُبعثُون. فنبذناهُ بالعراءِ وهو سقيمٌ * وأنبتنا عليه شجرةً من يقطينٍ. وأرسلناه إلى مئة ألفٍ أو يزيدون * فآمنوا به فمتّعناهُم إلى حينٍ﴾ .
صدق الله العلي العظيم

* جمعية القرآن الكريم للتوجيه والإرشاد - لبنان.